الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني

580

المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول

فكرر المعنى في اعتذاره قصدا للتأكيد ، والتقرير لما ينفى عنه ما رمى به . ومما ينتظم بهذا المسلك : انه إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين ، أحدهما خاص والآخر عام ، كقوله تعالى : « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » فان الأمر بالمعروف داخل تحت الدعاء إلى الخير ، لأن الامر بالمعروف خاص والخير عام ، فكل أمر بالمعروف خير ، وليس كل خير أمرا بالمعروف ، وذاك : ان الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف ففائدة التكرير هاهنا انه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله ، كقوله تعالى : « حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى » وكقوله تعالى : « فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ » وكقوله تعالى : « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها » فان الجبال داخلة في جملة الأرض ، لكن لفظ الأرض عام والجبال خاص ، وفائدته هاهنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليها وتفخيم أمرها ، وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا ، ومما ورد منه شعرا قوله من ابيات الحماسة : وان الذي بيني وبين بني أبى * وبين بني عمي لمختلف جدا إذا اكلوا لحمي وفرت لحومهم * وان هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وان ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم * وان هم هو واغيي هويت لهم رشدا فهذا من الخاص والعام ، فان كل لحم يؤكل للانسان فهو تضييع لغيبه ، وليس كل تضييع لغيبه اكلا للحمه ، ألا ترى ان اكل اللحم هو كناية عن الاغتياب ؟ واما تضييع الغيب : فمنه الاغتياب ، ومنه التخلي عن النصرة والإعانة ، ومنه اهمال السعي في كل ما يعود بالنفع كائنا من كان ، وعلى هذا : فان هذين البيتين من الخاص والعام